الشيخ محمد الصادقي
29
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
« فكذبوهما » كما كذّبت أمم قبلهم وبعدهم ومعهم بعذرهم البائس المتكرر : « إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا . . . » « فعززنا » الرسولين برسالتهما « بثالث » فإنّ في تلاحق الحجج مزيدا من الاعتزاز للحق « فقالوا » جميعا بكلمة واحدة : « إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ » صيغة سائغة صارمة بتأكيد « إنا » وتقدّم الظرف الموحي للاختصاص : « إليكم » مع التعزيز بثالث . فقبل الثالث « كذبوهما » بإجمال دونما عناية واعتداد ، فلما عززنا بثالث فصرمت الحجة ، أخذوا في سرد الرد عليهم بعرض عريض إذ عرفوا تلاحق الرسالة في تعزيز دونما وقفة ، فحاولوا في نكرانها واحتالوا في تكذيبها بحجة مفصلة هي في زعمهم قاطعة قارعة ، ولكي يرتاحوا عن تواتر الرسالة . قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ( 15 ) . « ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا » كحجة أولى لتكذيبهم ، حيوانية التصور ، إذ تحصر إنسانية الإنسان ببشريته ، دون ان تحسب روحه وروحانيته بحساب ، وفي هذا المقياس الحيواني هؤلاء هم أولى بالرسالة إذ يملكون من حيوانية الإنسان أكثر منهم ، وهم كأمثالهم معترفون بمماثلتهم في بشريتهم ، ولكنهم يمتازون عنهم بما يوحى إليهم قدر الاستعداد في روحياتهم وقابلياتهم : « قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا . . . قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . . . » ( 14 : ) 11 ) « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ . . . » ( 41 : 6 ) . فالمماثلة في البشرية ليس لزامها المماثلة في سائر الميزات الروحية بقابلياتها ، ولكنهم يحصرون الإنسان في بشريته ، ويحسرونه عما سواه من